وفاة الشريكة تفجر نزاع الـ4.5 مليون
حكاية تجديد أزمة "مستشفى عين الحياة" بين دعوى التحكيم وحكم إستئناف القاهرة
بدأت الحكاية بعقد تجاري جمع بين شركة مستشفى عين الحياة والشركة الوطنية لتجهيز المستشفيات، لكن الطريق الذي كان يفترض أن ينتهي بتسوية الالتزامات بين الطرفين اتخذ مسارًا مختلفًا، بعدما صدر حكم تحكيم يُلزم المستشفى بسداد 4 ملايين و500 ألف جنيه، قبل أن تتحول المعركة من المطالبة بالمبلغ إلى التساؤل عن سلامة الإجراءات التي صدر الحكم بناءً عليها.
في قلب الأزمة كانت وفاة الشريكة المتضامنة الوحيدة المختصة بإدارة شركة مستشفى عين الحياة وتمثيلها قانونًا. رحلت في 30 أبريل 2021، لكن النزاع المرتبط بالشركة لم يتوقف عند غيابها؛ إذ أصبح تحديد الشخص الذي يملك تمثيل الشركة بعد وفاتها نقطة خلاف امتدت آثارها إلى إجراءات التحكيم، ثم إلى ساحات القضاء.
لم تكن المشكلة، بحسب ما طرحه أحد الورثة أمام المحكمة، مجرد استكمال أوراق أو تغيير اسم في ملف قضائي، فشركة مستشفى عين الحياة، باعتبارها شخصًا اعتباريًا، لها ذمة مالية مستقلة عن ذمم الورثة، وبالتالي فإن اختصام الورثة بصفتهم الشخصية لا يعني بالضرورة أن الشركة أصبحت ممثلة قانونًا في الخصومة.
هذه كانت نقطة الانطلاق في دعوى البطلان التي أقامها عبد الرحمن محمد أحمد سليم، أحد ورثة يسرية دياب، اعتراضًا على حكم التحكيم الذي ألزم مستشفى عين الحياة بالمبلغ لصالح الشركة الوطنية لتجهيز المستشفيات.
حكم بـ4.5 مليون
واستند الوريث إلى أن مورثته كانت الممثلة القانونية للشركة، وأن إجراءات تعيين محكم عنها بدأت في حياتها، ثم توفيت قبل اكتمال المسار القضائي. وبعد تصحيح شكل دعوى تعيين المحكم باختصام الورثة، صدر الحكم فيها في 16 يناير 2022، من دون تعيين ممثل قانوني جديد للشركة، وفقًا لما تمسك به المدعي في دعوى البطلان.
ومن وجهة نظره، فإن وجود الورثة في الإجراءات لا يحل محل وجود ممثل قانوني للشركة نفسها، لأن النزاع يتعلق بالتزامات كيان مستقل، لا بالتزامات الورثة الشخصية. ومن هنا نشأ السؤال الذي صار محور المعركة: هل انعقدت خصومة التحكيم على نحو صحيح، أم أن غياب التمثيل القانوني السليم يؤثر في الحكم الذي صدر لاحقًا؟
في 20 يناير 2020، كان الطرفان قد أبرما العقد الذي استندت إليه الشركة الوطنية لتجهيز المستشفيات في اللجوء إلى التحكيم. وبعد وفاة الشريكة المسؤولة عن إدارة مستشفى عين الحياة، استمرت الإجراءات حتى أصدرت هيئة التحكيم حكمها في 30 أكتوبر 2022، بإلزام المستشفى بسداد 4 ملايين و500 ألف جنيه، فضلًا عن المصروفات وأتعاب التحكيم كاملة.
لكن الحكم الذي حسم المطالبة المالية في مسار التحكيم لم ينهِ الخلاف؛ بل فتح بابًا آخر يتعلق بالطريقة التي جرت بها الإجراءات، ومدى صحة تعيين المحكم عن الشركة.
فقد أشارت أسباب حكم التحكيم، بحسب ما أورده الحكم القضائي، إلى اختصام ورثة الممثلة القانونية المتوفاة وإعلانهم على مقر المستشفى، مع امتناع الموظف المختص عن استلام الإعلان. واعتبرت هيئة التحكيم أن ذلك لا يمنع انعقاد الخصومة، كما رأت أن عدم ذكر صفة الورثة كممثلين قانونيين للشركة في ديباجة حكم تعيين المحكم لا يتجاوز كونه خطأ ماديًا لا يجهل بالخصومة.
في المقابل، تمسك المدعي بأن هذه الإجراءات لا تجيب عن المسألة الأساسية: من كان يملك قانونًا تمثيل الشركة والدفاع عن مصالحها بعد وفاة شريكتها المتضامنة الوحيدة؟ وبذلك لم يعد الخلاف متعلقًا فقط بأحقية الشركة المطالبة في الحصول على المبلغ، بل امتد إلى مدى سلامة الطريق الذي قاد إلى الحكم به.
بينما كانت دعوى بطلان حكم التحكيم تنظر أمام محكمة استئناف القاهرة، ظهر تطور قضائي جديد زاد المشهد تعقيدًا. فقد طُعن على الحكم الصادر بتعيين المحكم عن شركة مستشفى عين الحياة، ونظرت محكمة الاستئناف الطعن في الاستئنافين رقمي 10 و11 لسنة 139 قضائية.
وفي 12 يونيو 2024، قضت المحكمة بقبول الاستئنافين شكلًا، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى تعيين المحكم بحالتها، مع إلزام المحتكم بالمصروفات.
كان لهذا الحكم أثر مباشر في مسار دعوى البطلان؛ لأن تعيين المحكم لم يعد مسألة منفصلة عن النزاع الأصلي، بل أصبح أحد الأسس التي تتوقف عليها مراجعة سلامة إجراءات التحكيم. ومع طعن الشركة الوطنية لتجهيز المستشفيات على الحكم أمام محكمة النقض، وطلبها وقف تنفيذه، لم تكن المسألة قد وصلت بعد إلى نهايتها القضائية.
وهنا وجدت محكمة الاستئناف نفسها أمام مسارين متداخلين: دعوى تطلب إبطال حكم ألزم شركة مستشفى عين الحياة بملايين الجنيهات، ودعوى أخرى تتعلق بصحة تعيين المحكم الذي شارك في إصدار ذلك الحكم. وكان حسم الأولى قبل استقرار الثانية قد يفتح الباب أمام أحكام متعارضة بشأن المسألة نفسها.
في 27 مايو 2025، جاء قرار محكمة استئناف القاهرة ليوقف تنفيذ حكم التحكيم، لكنه لم يضع كلمة النهاية على النزاع.
فالمحكمة قبلت دعوى البطلان شكلًا، ورأت أن طلب وقف التنفيذ يستند إلى أسباب جدية، في ضوء الحكم الاستئنافي الذي ألغى حكم تعيين المحكم، والطعن عليه أمام محكمة النقض.
ولم تكتفِ المحكمة بوقف التنفيذ؛ بل قررت أيضًا وقف دعوى البطلان تعليقًا إلى حين الفصل بحكم نهائي وبات في دعوى تعيين المحكم رقم 2 لسنة 2021 تحكيم تجاري شمال القاهرة. وأرجأت الفصل في المصروفات إلى حين استكمال المسار القضائي.
كان منطق المحكمة أن سلامة الإجراءات التي صدر على أساسها حكم التحكيم لا يمكن بحثها بمعزل عن المصير النهائي لدعوى تعيين المحكم؛ فانتظار حسم هذه المسألة يتيح استقرار المراكز القانونية للأطراف، ويحول دون صدور أحكام قد تتعارض نتائجها.
وهكذا، لم تقل المحكمة إن مبلغ الـ4.5 مليون جنيه غير مستحق، ولم تقضِ نهائيًا ببطلان حكم التحكيم، وإنما أوقفت تنفيذه مؤقتًا وعلقت الفصل في دعوى البطلان إلى أن يُحسم النزاع المتعلق بتعيين المحكم.
وهنا تكمن المفارقة في القضية مطالبة مالية بدأت بعقد تجاري، وانتهت إلى معركة حول من يملك تمثيل الشركة بعد وفاة شريكتها، ثم أصبحت صحة إجراءات تعيين المحكم هي المفتاح الذي يتوقف عليه مصير حكم بملايين الجنيهات. أما الكلمة الأخيرة، فتركتها المحكمة لما ستنتهي إليه الدعوى المرتبطة بتعيين المحكم بحكم نهائي وبات.







